حضرة الباب

المبشّر بحضرة بهاء الله (١٨١٩-١٨٥٠)

"إنّها سيرةٌ تُعَدّ مثلاً من أروع الأمثلة في الشجاعة والإقدام، وكان للإنسانيّة حظّ عظيم في التعرّف عليها..."(١) ورد هذا التقريظ على لسان الكاتب والمؤرخ الفرنسي المرموق أ.ل.م نيكولاس، وكان يقصد به سيرة تلك الشخصية القدسية الفذّة التي عرفها تاريخ القرن التاسع عشر باسم "الباب."

ففي النصف الأول من ذلك القرن استحوذ على العديد من الناس، شعورٌ عميق من التَّرقُّب والانتظار لعودة السيد المسيح. وبينما كان المسيحيون ينتظرون المجيء الثاني لعيسى ابن مريم، اجتاحت العالم الاسلامي موجة من التوقعات بظهور "صاحب الزمان." واعتقد كلٌّ من المسيحيين والمسلمين بأَنَّ عصراً روحياً جديداً سيبدأ تحقيقاً للنبوءات التي جاءت في كتبهم المقدسة.

بلغت حميّة تلك التوقعات ذروتها في الثالث والعشرين من شهر أيار (مايو) ١٨٤٤، عندما أعلن تاجر شاب – هو حضرة الباب – بأنه صاحب رسالة إلهيّة، طال الوعد بها، ومقدّر لها أنْ تُحوِّل الحياة الروحية للجنس البشري وتحييها من جديد. وكان نداؤه شاملاً إذ قال:

"يا أهل الأرض اسمعوا نداء الله ... لقد جاءكم النور من الله بكتاب هذا على الحقّ بالحقّ مبيناً لتهتدوا إلى سبل السلام."(٢)

كان المجتمع الفارسي آنذاك يرزح تحت وطأة انهيار خُلُقي واسع في مداه، فأَعلن حضرة الباب في هكذا جوّ أَنَّ أساس الإحْياءِ الروحي والتقدم الاجتماعي هو "الحبّ والرأفة" وليس "الشدة والسطوة،"(٣) فأثار ذلك الإعلان الأمل والانفعال لدى طبقات المجتمع كافة، وسرعان ما اجتذبت دعوة حضرة الباب تلك الآلاف من المؤيّدين والأتباع.

ورغم أنَّ اسم التاجر الشاب كان سيد علي محمد، إلاّ أنه اتخذ لنفسه لقب "الباب." وبيّن حضرة الباب بأنَّ مجيئه لم يكن إلاّ مدخلاً تَعبُره الإِنسانيّة نحو ذلك الظهور الإلهيّ الذي ينتظره البشر في كلِّ مكان. أما الموضوع الرئيس الذي تناوله كتاب البيان – وهو أم الكتاب بالنسبة للظهور البابي – فكان الظهور الوشيك لرسول ثانٍ يبعثه الله، يكون أعظم شأناً من حضرة الباب نفسه، ويحمل رسالةً جديدة لبدء عهد من العدل والسلام، وهو ما وعد به كلٌّ من الدين الاسلامي واليهودي والمسيحي، بالإضافة إلى كلّ دين عالمي آخر اعتنقه البشر.

حين أشار حضرة الباب إلى ذلك الرسول القادم استخدم عبارة رمزيّة وَصَفَتْهُ بأنّه "مَنْ يُظْهِرُه الله". وأَكّد استقلالية ذلك الرسول وسيادته الكاملة فصرّح "بأنّه لا يستشار بإشارتي ولا بما نزل في البيان."(٤) كما وضّح حضرة الباب أيضاً الهدف الرئيس لرسالته هو فقال: "إنَّ الهدف من هذا الظهور، وكلّ ما سبقه من الظهورات الأخرى، ليس إلاّ الإعلان عن مجيء مَنْ يُظْهِرُه الله وبعث رسالته."(٥) وبما أنَّ جوهر الإنجازات الإِنسانية كافة موجودة في تعاليم هذا الظهور الإلهي الموعود فإنَّ "الدين كلّه يكمن في نصر ذلك الظهور ودعمه."(٦) ولقد اعتبر حضرة الباب أنَّ التاريخ الإِنساني قد بلغ نقطة تحوّل رئيسة، وكان هو بمثابة "صوت الصارخ الذي كان ينادي في بريّة البيان"(٧) بأنَّ الإِنسانية بدأت بالدخول في مرحلة نضجها الجماعي.

ناشد حضرة الباب في كلِّ ما كتب، أتباعَه ليكونوا يقظين حتى إذا أظهر الموعود نفسه بادروا إلى إعلان الإيمان به. وحثّ أتباعه أيضاً على أن يشاهدوا الأمور بأعين أفئدتهم منزّهين أنفسهم عن كل وهم:

"قل إِنّما الآخرة أيام من يظهره الله، لا تجعلُنَّ شيئاً من أوامر الله موهوماً عند أنفسكم ولْتَرَوُنَّ كلَّ شيء ما قد خلقه بأمره بأَعْين أَفئدتكم مثل ما أنتم بأَعْين أَجسادكم تُبصرون."(٨)

أكَّد حضرة الباب لأتباعه مراراً عِظَمَ مقام "من يُظهره الله" وسموَّ مكانته، وأراد لهم أنْ يكونوا لائقين للمثول بين يديه حين ظهوره، فسنّ لهم نمطاً للحياة وقواعدَ للسلوك تتصف بالعفّة والطهارة والقداسة ونبل الأخلاق. وأهاب بالرعيل الأول من أتباعه وتلاميذه التقيّد بتلك القواعد الأخلاقية التي لم تشهد لها الإِنسانية مثيلاً قبل ذلك:

"اغسلوا قلوبكم عن أدران الشهوات في هذه الدنيا واجعلوا زينتكم فضائل الملأ الأعلى... والآن قد أتى الوقت الذي لا تصعد فيه الأَعمال إلى عرشه الأعلى إلاّ إذا كانت طاهرةً نقيةً، ولا تكون مقبولة لديه إلاّ إذا كانت خاليةً من آثار الدَّنس..."(٩)

وردت إشارات عدة بقلم حضرة الباب بالنسبة لشخصيّة "مَنْ يُظهره الله،" منها مثلاً قوله في موضعين مختلفين:

"طوبى لمن ينظر إلى نظم حضرة بهاء الله ويشكر ربّه فإنّه يَظهر ولا مردَّ له من عند الله في البيان..."(١٠)

"إذا أشرقت شمس البهاء عن أفق البقاء أنتم فاحضروا بين يديّ العرش..."(١١)

وفي عام ١٨٤٨ وفي جمعٍ ضم جمهرة من أتباع حضرة الباب اتخذ حسين علي لقب "البهاء." وقد عرف التاريخ حسين علي باسم بهاء الله وهو الذي كان من أبرز أتباع حضرة الباب، وحاز اتخاذُه لذلك اللقب دعم حضرة الباب وتأييده.

إنَّ الدور الذي قام به حضرة الباب تجاه ظهور حضرة بهاء الله يشبه في بعض وجوهه ما قام به يوحنا المعمدان تجاه تأسيس الدين المسيحي. كان حضرة الباب المبشّر بحضرة بهاء الله، وكانت وظيفته تمهيد السبيل لمجيء حضرة بهاء الله. وطبقاً لذلك، فإنَّ تأسيس الدين البابي لهو في الحقيقة مرادف لتأسيس الدين البهائي، وإنَّ هدف رسالة حضرة الباب تَحَقَّقَ عندما أعلن حضرة بهاء الله في عام ١٨٦٣ بأنَّه الموعود المنتظر الذي أعلن عنه حضرة الباب. وأكّد حضرة بهاء الله فيما بعد هذا الرأي في أحد ألواحه حين وصف حضرة الباب بأنه كان "[منادياً] باسمه و[مبشّراً] بظهوره الأعظم الذي ارتعدت له فرائص الأمم وسطع النور به من أفق العالم."(١٢) فقد سجّل ظهور حضرة الباب في التاريخ الديني ختام "كور النبوّة" و"بداية" الكور الذي "سوف تتحقّق فيه كل النبوءات."

ومع ذلك يجدر بنا أنْ لا ننسى أنّ حضرة الباب أسَّسَ ديناً مستقلاً قائماً بذاته، خاصاً بدعوته هو، عُرِفَ بالدين البابي. فبَعَث هذا الظهور الديني جامعة من المؤمنين مليئةً بالحيويّة والنشاط، وانبثق عنه وحيٌ من الآيات والآثار المقدسة، ومَهَرَ التاريخَ ببصماته الخاصة المُمَيَّزَةِ التي لا تُمحى. وتشهد الآثار البهائية المقدسة بأنَّ "عظمة حضرة الباب لا تكمن فقط في أنَّ الله قد بعثه ليبشّر بهذا الظهور الأعظم، بل وأكثر من ذلك لكونه ظهر بالقدرة والسيادة ذاتهما الكامنتين في كلّ ظهور إلهي يتمتع بالقوة والعزم، فمَلَكَ بصولجان رسالته المستقلة مُلكاً لم يُضاهِهِ فيه أحدٌ من الرسل والأنبياء السابقين."(١٣) وقد تمكّن حضرة الباب حقاً من القيام بدورٍ يذكّرنا بما قام به الرسل والأنبياء الأولون، إذ أطلق دعوة الإصلاح الخلقي والروحاني في المجتمع الفارسي، وأصرّ على رفع المستوى الاجتماعي للمرأة وتحسين أوضاع الفقراء والمعْوزِين. ولكن - على عكس مَنْ سَبَقَهُ من الذين نظروا إلى المستقبل البعيد إلى يوم تمتلئ الأرض بـ"معرفة الرب"(١٤) - تمكّن حضرة الباب من أن يقيم الدليل بفضل ظهوره بأنَّ فجر نور "يوم الله" قد بدأ ينبثق.

موصدةً بدت قلوبُ وعقول أولئك الذين وجّه إليهم حضرة الباب دعوته، فكانوا وكأنهم أسرى عالم فكري تجمّد على حاله دونما تبديل منذ القرون الوسطى. فكانت الإجراءات والقواعد التي سنّها لمعالجة انهيار الحياة الروحية، ناهيك عن إعلاء شأن العلم والتربية وتشجيع دراسة العلوم النافعة، كل هذه الأفكار بدت آنذاك ثوريّة للغاية مهما كان المعيار الذي نُِقيمُه للحكم عليها. وهكذا استطاع حضرة الباب بإِعلانه عن دين جديد مساعدة أتباعه كي يتحرّروا من التقاليد الفكرية الاسلامية الموروثة، وعبّأَ صفوفهم استعداداً لمجيء حضرة بهاء الله.

وصفَ الملاّ حسين البشروئي، أحد علماء الدين المرموقين في بلاد فارس، الأثر الذي تركه في نفسه ذلك اللقاء الأول حين مَثُلَ بين يديّ حضرة الباب: "شعرت بقوة وشجاعة خُيِّل إليّ معهما أنني أستطيع أنْ أقف وحيداً لا أتزعزع في وجه العالم كلّه بكل شعوبه وحكّامه. وبدا لي أنَّ الكون لا يزيد على حفنة من التراب في يدي. وحَسِبتُ أنني صوتُ جبريلَ المتجسّد يَهيب بالناس جميعاً أنْ أفيقوا فإِنَّ نور الصبح قد لاح."(١٥)

كان لدعوة حضرة الباب تأثير بالغ أَحدث تحوّلاً وتغييراً في النفوس، وتحقّق ذلك أساساً عبر رسائله وتفاسيره وكتاباته العقائدية والصوفية. أما البعض، كالملاّ حسين، فقد استمعوا إليه شخصياً يحدّثهم ويتحفهم ببديع بيانه. ووصف أحد أتباعه ما كان للباب من صوت مؤثّر فقال: "كان صوت حضرة الباب وهو يُملي تعاليمه وقواعد إيمانه مسموعاً بوضوح في سفح الجبل الذي كان يردد هو والوادي صوته، وكانت نغمة ترتيل الآيات تفيض من فمه وهي تشنّف الأسماع وتخترق القلوب والأرواح، وتتحرك لندائه قلوبنا من أعماقها."(١٦)

اتّسم الإعلان عن الدعوة الجديدة بالشجاعة والإقدام، وهي الدعوة التي رسمت للبشر رؤية مجتمع جديد في كل نواحيه، فأصاب الفزع المؤسسات الدينية والمدنيّة على حدّ سواء. وسرعان ما تعرّض البابيون للاضطهاد والتعذيب نتيجة لذلك.  فأُعدم الآلاف من أتباع حضرة الباب في سلسلة من المجازر الفظيعة.  وسجّل عدد من المراقبين الغربيين الشجاعة المعنوية الخارقة التي أبداها البابيون وهم يواجهون حملة العنف والاضطهاد هذه. وتأثّر المفكرون الأوروبيون كإرنست رينان، وليو تولستوي، وساره برنارد، والكونت غوبينو، أبلغ الأثر لهذه المأساة الروحيّة التي دارت رَحَاهَا في بلد خيّم عليه الظلام. وأصبحت أخبار حضرة الباب موضوع حديث المنتديات الفكرية والأدبية الأوروبية بصورة متكرّرة. وحَمَلت تلك الأخبار البطولة التي تحلَّى بها أتباعه، وحكت عن سيرته العطرة ونبل تعاليم رسالته. وانتشرت قصة الطاهرة، تلك الشاعرة العظيمة والبطلة البابية، انتشاراً واسعاً كقصة حضرة الباب نفسه - فهي التي خاطبت جلاّديها حين استشهادها بجرأة قائلة: "تستطيعون قتلي بأسرع ما تريدون، ولكنكم لن تستطيعوا إيقاف تحرير المرأة."(١٧)

وفي نهاية الأمر زعم أعداء حضرة الباب ومناوئوه بأنه لم يكن مارقاً في الدين فحسب، بل ثائراً ومتمرداً عظيم الخطر أيضاً. لذا قررت السلطات التخلّص منه وإِعدامه. ونُفّذ فيه الحكم في التاسع من تموز (يوليه) عام ١٨٥٠ (الموافق للثامن والعشرين من شعبان ١٢٦٦ هجرية) في ميدان يتوسط الثُّكنات العسكرية بمدينة تبريز. واحتشد جمع غفير من الناس قُدّر عددهم بعشرة آلاف شخص، غصّت بهم سطوح الثكنات العسكرية والمنازل المشرفة على الميدان. وعُلّق حضرة الباب وشابٌ من أتباعه بحبلين ودُلِّيا أمام جدار في الميدان. واصطفّت الفرقة العسكرية وكان قوامها ٧٥٠ جندياً أرمنياً ثم انتظمت في صفوف ثلاثة في كل صف ٢٥٠ جندياً، وأطلق كل صف الرصاص بعد الآخر، وتكاثف الدخان المتصاعد من البنادق السبعمائة والخمسين حتى أظلم الميدان وتعسرت الرؤية فيه.

وسجّل أحداث استشهاد حضرة الباب السير جستين شييل، السفير فوق العادة ومبعوث الملكة فكتوريا الخاص لدى بلاط الشاه، في تقرير رفعه إلى وزير الخارجية البريطاني اللورد بالمرستون بتاريخ الثاني والعشرين من تموز (يوليه) عام ١٨٥٠، وقد جاء في تقريره ما يلي: "عندما انقشع الغبار الكثيف بعد إطلاق الرصاص، توارى حضرة الباب عن الأنظار وهتف الجمهور بأنّه قد صعد إلى السماء. فقد مزّق الرصاص الحبلين اللذين رُبط بهما حضرة الباب ورفيقه، إلاّ أنّه أحضر فيما بعد من الغرفة التي اكتُشِفَ وجوده فيها وتّم إطلاق الرصاص عليه من جديد."(١٨)

بعد هذه المحاولة الأولى لتنفيذ حكم الإِعدام في حضرة الباب واختفائه عُثِرَ عليه يجلس في زنزانته وهو يُملي الإرشادات على أحد أتباعه. وكان حضرة الباب قد حذّر حرّاسه في وقت سابق من النهار حين قدموا ليقودوه إلى ساحة الإعدام بأن ليس هناك من قوة في الأرض يمكنها منعه من إتمام كل ما يريد الإدلاء به حتى الحرف الأخير. ولكن عندما حضر الحراس لاقتياده إلى الساحة للمرة الثانية تحدث اليهم قائلاً بكل هدوء: "أما وقد انتهيت من حديثي مع السيد حسين فبإمكانكم أنْ تفعلوا ما بدا لكم."(١٩)

واقتيد حضرة الباب ورفيقه الشاب مرة أخرى إلى ساحة الإِعدام. إلاّ أنَّ الجند الأرمن رفضوا إطلاق الرصاص عليه مرة ثانية، فشُكِّلت فرقة من الجند المسلمين وأُمروا بإطلاق الرصاص على حضرة الباب ورفيقه. وفي هذه المرة مزّق الرصاص جسدي الشهيدين جاعلاً منهما كتلةً واحدة من اللحم والعظم، أما الوجهان فقد ظلاّ سالمين لم تصبهما إلاّ خدوش طفيفة. وانطفأ نور ذلك "البيت"(٢٠) (والبيت كلمة استخدمها حضرة الباب في أحد ألواحه إشارة إلى ذاته) تحت وطأة سلسلة من الأحداث والظروف المثيرة للغاية، أما كلماته الأخيرة فقد وجهها حضرة الباب إلى الجمهور المحتشد قائلاً: "أيها الجيل الملتوي! لو آمنتم بي لاحتذى كل واحد منكم حذو هذا الشاب الذي هو أعظم منكم شأناً، ولأقبل راضياً مختاراً على التضحية بنفسه في سبيلي، وسيأتي اليوم الذي فيه تؤمنون بي، وعند ذاك لن أكون معكم."(٢١)

سجّل حضرة بهاء الله تقديره للباب وأجزل له الثناء في كتاب الإيقان فقال:

"... وكم ظهر من الاستقامة من ذاك الجمال، جمال الأحدية، بحيث أنَّه قام كلّ من على الأرض على منعه، ولم يأت ذلك بثمر أو فائدة بل كلّما كان يرد منهم من الإيذاء على تلك السّدرة، سدرة طوبى، كلّما كان يزداد شوقه، ويزداد اشتعال نار حبّه. وكل هذا واضح لا ينكره أحد إلى أَنْ فدى أخيراً بروحه وصَعِدَ إلى الرفيق الأعلى."(٢٢)

وكتب المؤرخ أ.ل.م. نيكولاس الذي سجّل الأحداث المحيطة باستشهاد حضرة الباب ما يلي: "لقد فدى الإِنسانيّة بنفسه، ومن أجل الإِنسانيّة وَهَب روحَه وجسده، ولأجلها تحمّل الحرمان، والأذى، والتعذيب، والاضطهاد، وأخيراً الاستشهاد. ولقد أحكَم بدمائه ميثاقَ الأخوَّة العالمية، ودفع تماماً كما فعل المسيح حياته ليعلن مجيء عهد من الوفاق والعدالة والمحبة الأخويّة."(٢٣)

إنَّ فترة السّنوات الستّ القصيرة التي عاشتها رسالة حضرة الباب والسرعة التي حققت فيها أهدافها رمزت في بعض أوجهها إلى الطّفْرة المفاجئة التي حثّ حضرة الباب العالم لِيُقدِمَ عليها حتى يتمّ الانتقال إلى حالة من الوعي والاحساس بالوحدة العالمية. فمنذ إعلانه الجريء لدعوته في منتصف القرن الماضي تحقّق تقدُّم قلّ نظيره في العديد من المجالات العلمية والتقنية. وسجّل هذا التقدم انبثاق التباشير الأولى لميلاد "مجتمع عالمي موحّد". فكان دوره كـ "النقطة التي ذُوّتَ بها من ذُوّتَ"(٢٤) باعثاً لدورة جديدة من الكشف والإبداع البشري. لقد هبّت نسائم العرفان فاغتنت العقول وحَلّقت الأرواح في السموات العُلَى.

يصف حضرة بهاء الله تعاقب ظهورين إلهيّين بحيث كادا يتزامنان بأنّه "سرّ لا سبيل إلى اكتشاف كنهه."(٢٥) ويعتقد البهائيون أَنَّ هذه الظاهرة ما هي إلاّ تأكيد على قرب مجيء "ملكوت الله على الأرض" وهي الشهادة أيضاً على عظمة ظهور حضرة بهاء الله. وقد علَّق على ذلك عبد البهاء قائلاً:

"إِنَّ حضرة الأعلى [حضرة الباب] لهو صبح الحقيقة الذي أشرق وأضاء بنوره جميع الأرجاء، إنّه المبشّر بالنيّر الأعظم، أي الجمال المبارك [حضرة بهاء الله] الذي وعدت به الكتب والصحف والزبر والألواح السابقة جميعها. فظهور الجمال المبارك أشرق بالنور ذاته الذي تجلّى على الطور في سدرة سيناء. كلّنا عباد لتلك المظاهر الإلهيّة خاضعين خاشعين لدى بابهم."(٢٦)


(١) A.L.M.Nicolas, Siyyid Ali Mohammad dit le Bab, Paris, Librairie Critique, 1908, pp.203-204  
(٢) الباب، منتخبات آيات از آثار حضرت نقطة اولى، طهران، مؤسسة ملي مطبوعات امري، ١٣٤ بديع، ص٣٣ و٤١.
(٣) المصدر السابق، ص٥٣.
(٤) شوقي افندي: نظم جهاني بهائي: منتخباتي از آثار صادرة از قلم حضرت ولي امر الله، دانداس مؤسسة معارف بهائي، ١٩٨٩، ترجمة واقتباس هوشمند فتح اعظم، ص ٨٧.
(٥) الباب، منتخبات آيات از اثار حضرت نقطة اولى، ص٧٦.
(٦) المصدر السابق، ص٥٨.
(٧) بهاءالله، مجموعة از الواح جمال اقدس بهاء الله بعد از كتاب اقدس نازل شده، لانگنهاين، لجنة آثار امري، ١٣٧ب، ص٥.
(٨) الباب، منتخبات آيات از آثارحضرت نقطة اولى، ص١٠٤.
(٩) النبيل الزرندي، مطالع الأنوار: تاريخ النبيل عن وقائع الأيام الأولى للأمر البهائي، هذبه وترجمه من اللغة الفارسية إلى الإنجليزية حضرة شوقي أفندي رباني، ترجمه إلى العربية القاضي عبد الجليل سعد، القاهرة، نشر المحفل الروحاني المركزي للبهائيين بالقطر المصري والسودان، ١٩٤٠، ص٧٣-٧٤.
(١٠) شوقي افندي، دور بهائي، لانگنهاين – المانيا – لجنة نشر آثار امري، ١٩٨٨، ص٧٤.
(١١) الباب، منتخبات آيات از أثار حضرت نقطة اولى، ص ١١٦.
(١٢) بهاء الله، مجموعة من ألواح حضرة بهاء الله، نزلت بعد الكتاب الأقدس، من منشورات دار النشر البهائية في بلجيكا، ١٩٨٠، ص٤.
(١٣) شوقي أفندي، دور بهائي، ص٤٢.
(١٤) العهد الجديد، إشعيا الأصحاح ١١ الآية ٩.
(١٥) شوقي أفندي، كتاب القرن البديع من اثار حضرة ولي امر الله شوقي أفندي رباني، ترجمه الدكتور السيد محمد العزّاوي، من منشورات دار النشر البهائية في البرازيل، ١٩٨٦، ص ۱۷.
(١٦) النبيل الزرندي، مطالع الأنوار، ص١٩٧-١٩٩.
(١٧) شوقي أفندي، كتاب القرن البديع، ص١٠٢.
(١٨) المقتطف مأخوذ من كتاب،John Ferraby, All Things Made New, London Baha'i Publishing Trust, 1987, revised edition, p.201
(١٩) شوقي أفندي، كتاب القرن البديع، ص٧٧.
(٢٠) الباب، منتخبات آيات از آثار حضرت نقطة اولى، ص٤٩.
(٢١) شوقي أفندي، كتاب القرن البديع، ص٧٨.
(٢٢) بهاء الله، كتاب الإيقان، من منشورات دار النشر البهائية في البرازيل، ١٩٩٧، ص١٩٧.
(٢٣) A.L.M.Nicolas, Siyyid Ali Mohammad dit le Bab, p. 376    
(٢٤) الباب، منتخبات آيات از أثار حضرت نقطة اولى، ص ١٤.

General Information
The Bahá’í Faith
The international website of the Bahá’ís of the world.
The Life of Bahá’u’lláh
A photographic narrative about the life of the founder of the Bahá’í Faith.
Bahá’u’lláh
Writings of Bahá’u’lláh and a history of His life, His teachings, His station.
The Universal House of Justice
General information about the Universal House of Justice, selected statements and letters which have been written by it or prepared under its supervision.
Attaining the Dynamics of Growth
A global sampling of Bahá’í community life – devotional meetings, children and youth classes, study of sacred scripture, service projects, and fellowship.
Reference
Bahá'í Reference Library
The Bahá'í sacred writings available online.
Bahá'í Statement Library
Statements issued by the United Nations office of the Bahá'í International Community.
Bahá'í Media Bank
Photographs available for downloading.
News
Bahá'í World News Service
News from around the globe.
One Country
The quarterly newsletter of the Bahá'í International Community, with in-depth features, book reviews and commentary.